محمية الأزرق المائية.. جنة في طريق سطوة الصحراء

Arabic
Friday, May 6, 2016

 

  طارق الحميدي

لطالما كانت الواحات الصحراوية المائية التي تتوسطها اشجار النخيل العالية، القلب النابض للصحراء، التي ترتبط فيها جذور الحكايات العربية وتدور تفاصيلها حول غموض هذه الصحارى واسرارها.

وبين الصحراء التي تمتد على مرآى البصر وفي قلب اللون الاصفر والرمال التي تشكلها الرياح صباح مساء، وحين تشتد حرارة الشمس وتسطع اشعتها الحارقة على صحرائها, يجد المسافر في ظلال الواحة وتحت اشجار نخيلها وفي مياهها العذبة ملجا من عناء السفر وشمس الصحراء.

واحة الازرق التي كانت على الدوام درة صحراء الاردن الشرقية ومحطة للمسافرين للاستراحة من عناء السفر سواء من البشر أو الطيور المهاجرة تأسست كمحمية تحت اسم محمية الازرق المائية في العام 1978 وسميت بهذا الأسم نسبة الى الواحة التي تقع ضمن محافظة الزرقاء وتبعد عنها حوالي (85كم), كما وتقع هذه الواحة شرق العاصمة عمان على بعد (115كم)منها.

تبلغ مساحة هذه المحمية 12كم2 وهي عبارة عن واحة مائية فريدة من نوعها في وسط الصحراء الأردنية وتعتبر مأوى واستراحة للطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا بالاضافة لوجود العديد من انواع الطيور المحلية الأخرى بحسب ما قال مدير المحمية للرأي حازم الحريشة.

وبين أن الحكومة وقعت في العام 1977 على إتفاقية رامسار(Ramsar) الدولية والتي بموجبها اعتبار هذه المحمية من المناطق المائية الهامة عالميا للطيور المهاجرة و تتكون المحمية من البرك والمستنقعات المائية بالاضافة الى جزء كبير من قاع الأزرق.

اليوم يهدد الجفاف الواحة الخضراء نتيجة للضخ العشوائي  والجائر من مياه من الحوض المائي الجوفي والتي تبلغ مساحته 12710كم2 موزعا على الأردن 94% و سوريا 5% وفي السعودية 1%.

وتتمثل مخاطر الجفاف بفقدان العديد من الكائنات الحية التي تعتمد في وجودها على هذه البقعة الخضراء، وفي عام 1994 وبتمويل من مرفق البيئة العالمي قامت الحكومة الأردنية بالبدء بمشروع اعادة احياء وتأهيل واحة الازرق نظرأ للأهمية الكبرى التي تتمتع بها بحسب ما قال الحريشة .

 

وأشار إلى أن المشروع يتضمن إعادة تأهيل الموائل الطبيعية في المحمية من خلال إعداد الدراسات الميدانية الاولية وتوقيع اتفاقية مع وزارة المياة والري بتزويد المحميةبـ 1.5ــ2.5 مليون م3 من الماء سنويا من مياه الأزرق الجوفية.

 

الحياة الطبيعية في المحمية 

تحتوي المحمية على أنواع متعددة من الحيوانات البرية أهمها ابن آوى والثعلب الاحمر وقد تم تسجيل العديد من أنواع الطيور والأسماك لاسيما السمك السرحاني  (Azraqkilli fish) وإسمه العلمي (Aphaniussirhani) وهو نوع نادر ومستوطن من الأسماك سمي نسبة لوادي السرحان الممتد حتى المحمية وإن هذا النوع لا يوجد في أي مكان في العالم إلا في واحة الأزرق، و قد أصبح إرثا طبيعيا حضاريا للمنطقة و تجدر الإشارة بأن هذا النوع كان مهددا بالانقراض ، إلا أن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عملت على إعادته إلى وضعه الطبيعي حتى أصبح اليوم مجتمعا حيويا طليقا.

وقال الحريشة  أن المشروع  حقق نجاحا في إعادة إكثار السمك السرحاني في محمية الأزرق إهتماما كبيرا عالميا من حيث حصوله على جائزة شركة فورد العالمية في مجال البيئة.

وأصدر أصدر الإتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) تقريرا يشير بأن مشروع إكثار السمك السرحاني في محمية الأزرق من أكثر مشاريع الإكثار نجاحا عالميا.

ويوجد في المحمية  ما يقارب ال 141 نوعا مختلفا من النباتات وبشكل خاص النباتات المائية مثل الحلفا والقصيب الفارسي في المستنقعات ومجموعات من السمار والغرقد والاثل وسجل ما يزيد عن 81 نوعا من الطحالب واكثر من 163 نوعا من اللافقاريات واكثر من 18 نوعا من الثدييات وما يزيد عن 11 نوعا من الزواحف ,ونوعين من البرمائيات و15 من الرعاشات واخرىمثلها من الفراشات ...الخ. وتحظى المحميةبأهمية كبرى أخرى حيث تحوي بين طياتها كنوزا أثرية  هامة تعود بتاريخها للعصورالحجرية حتى الأسلامية مما يدل على أهمية هذه المنطقة منذ أقدم العصور نظرا لتوفر الماء والغذاء. 

و تحظى المحمية اليوم بأهمية عالية لاتقل عن ماضيها على الصعيد البيئي وتقدم للمجتمع المحلي فوائد كثيرة من خلال مضاعفة فرص العمل وتقديم الدعم لمبادرات لتنمية الاجتماعية والاقتصادية  المرتبطة بأهداف صون الطبيعة فقد أضحت المحمية مؤسسة وطنية رائدة و مركز إشعاع علمي ومعرفي لمختلف العلوم وتشرك المجتمع المحلي بعوائد التنمية مما أعطاها إهتماما محليا ودوليا.ويقوم بإدارة المحمية كادر مؤهل من أبناء المجتمع المحلي يعمل بجد على ايصال رسالتها وتحقيق أهداف.

 

السياحة البيئية في الأزرق:

تقدم محمية الازرق المائية العديد من الخدمات بهدف تشجيع السياحة البيئية أهمها  نزل الأزرق وهو بناء شيد في الأربعينات من القرن الماضي إبان الحرب العالمية الثانية كمستشفى عسكري ميداني للجيش البريطاني آنذاك وفيما بعد استخدم  هذا الموقع كمبان حكومية وفي عام 1966 اتخذه مجموعة من الصيادين كمركز لهم في المنطقة حيث نظموا انفسهم بما يسمى نادي الصيد الملكي حيث عمل النادي بداية على تنظيم مواسم الصيد وتحديد أنواع وأعدادالطيور والحيوانات التي يمكن صيدها وذلك بعدما وجدوا بأن بعض هذه الطيور والحيوانات قد انقرض من المنطقة  والبعض الآخر أصبح مهددا بالأنقراض.

ويعتبر هذا النادي  نواة الجمعية الملكية لحماية الطبيعة الحالية والتي أصبحت الآن مؤسسة وطنية تطوعية رائدة في مجال حماية الطبيعة وتنمية المجتمعات المحلية وإنشاء المحميات الطبيعية وتقوم على تطبيق قانوني الصيد والزراعة وتقدم الدعم الفني والتدريب المستمر في مجال حماية الطبيعة وتنمية المجتمعات المحلية للدول العربية الشقيقة.

وكذلك استخدم الموقع فيما بعد محطة تقيم به البعثات العلمية من علماء وباحثين وبإختلاف إهتماماتهم العلمية سواء البيئية أوالأثرية منها، وقد أعيد بناء نزل الأزرق حديثا ليصبح اليوم معلما سياحيا بارزا في منطقة الأزرق حيث يحتوي هذا النزل على 16غرفة.

 يقدم النزل الأيواء لحوالي 38 زائرا  تتمثل في هذه الغرف الأصالة ومحافظة على الطابع التاريخي والهدف الذي انشأ من أجله النزل وينفرد النزل بتقديم الطعام الشيششاني  المميز لحوالي 60 شخص ممثلا بذلك عادات و تقاليد أحدى المجموعات السكانية التي تشكل النسيج الأجتماعي في منطقة الأزرق والذي يتشكل من البدو والشيشان والدروز.  

ويحتوي النزل أيضا على مبنى الحرف اليدوية والمشاريع الإقتصادية الإجتماعية الذي تعمل فيه فتيات من المجتمع المحلي قامت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بتدريبهن و مساعدتهن بتوفير مصدر دخل دائم لهن ولأسرهن وتقوم هذه المشاريع بدعم برامج الجمعية الملكية لحماية الطبيعة أيضا. 

ويضم المبنى مشاغل الرسم على بيض النعام والخياطة والتغليف والألعاب البيئية والطباعة الحريرية ومشروع الورق المعاد تدويره  وكذلك يوجد دكان الطبيعة (Nature shop) الذي يقوم بعرض وبيع كافة منتجات الجمعية الملكية لحماية الطبيعة .

يعتبر النزل مرفقا سياحيا حيويا وهاماُ في منطقة الأزرق لعدة أسباب أهمها كونه نقطة انطلاق السياحة في المنطقة التي تحتوي على (محمية الأزرق المائية ,محمية الشومري, القصور الصحراويةوبرامج وانشطة الصحراء الشرقية)، كما يعمل النزل على توفيرالإقامة المريحة والممتعة لزوار المنطقة وذلك من خلال التصميم الفريد الذي يوحي بالبساطة والأصالة والخدمة المميزة التي يقدمها حيث  إكتسب شهرة عالية من خلال جودة الخدمات السياحية التي يقدمها لزواره.

ويوفر النزل  الوظائفِ للسكان المحليّينِ، ويعمل على دعم برامج حمايةِ الطبيعةِ من خلال توفير مصدر إيراد لهذه البرامج ونشر التوعيةالبيئية للزوار ويقدم حزمة من الانشطة والبرامج الترفيهية والسياحية مثل ممرات الدراجات الهوائية في القرية وتناول وجبات الطعام لدى احدى العائلات الدرزية كما يقدم برامج مراقبة الطيور في المحمية وممرات المشي والحافلة والالعاب البيئية وفرقة الازرق للفلكلور الشعبي.

أهمية المحمية بالنسبة للمجتمع المحلي في منطقة الأزرق

تلعب المحمية اليوم دورا رئيسيا وبارزا في خدمة المجتمع المحلي في منطقة الأزرق ولها أهمية مباشرة وكبيرة على المجتمع المحلي من حيث توفير مصدر دخل دائم لهم محققة بذلك التنمية الاقتصادية المستدامة لما يزيد عن 40 موظفا من أبناء المنطقة.

وللمحمية كذلك أهمية غير مباشرة  على المجتمع المحلي حيث تقوم المحمية بتقديم الدعم الفني والمستمر للجمعيات العاملة في المنطقة  من حيث دعم الجمعيات المحلية بتقديم الدعم الفني وكتابة مقترحات المشاريع لجلب التمويل لها من الجهات المانحة مثل (USAID) و (UNDP) والمرفق البيئي العالمي(GEF) وشملت على مشاريع إعادة التدوير, السياحة البيئية, الزراعات العضوية والمياه الرمادية وغيرها من المشاريع التنمويةالتي تعنى بالبيئة والتنمية المستدامة التي تعود بالفائدة على المجتمع المحلي.

تقوم المحمية ببناء قدرات الجمعيات في المنطقة وبشكل مستمر، كما تعمل المحمية على تقديم الدعم اللوجيستي للجمعيات وتسخير مصادرها خدمة لها من قاعة اجتماعات ومصادر أخرى، وتعمل على التواصل الدائم والمشاركة بفعالية مع المؤسسات الرسمية والشعبية في المنطقة، وتقوم المحمية والنزل بشراء كافة إحتياجاتهما من المحلات التجارية في المنطقة، كما أن كافة الأمور التي تتطلبها المحمية والنزل منأعمال حرفية وفنية تكون من أبناء المنطقة.

التعليم البيئي

تضم الازرق 11مدرسة بواقع 3055 طالبا وبواقع 7 اندية حماية طبيعة يتم العمل معها ضمن برامج التوعية وتم تطوير عدة برامج تعليمية بيئية مثل الزيارات العكسية وعلماء البيئة الصغار ونوادي الطيور ونوادي النباتات وبرنامج فارس الطبيعة ونموذج الفيزيائي لحوض الازرق المائي وغيرها من البرامج اللامنهجية.